إتمار بن غفير: عشر مُحددات

بقلم: عدلي صادق

1- لولا أن عبد القادر الحسيني، سقط شهيداً يوم 8 إبريل 1948 لم تكن أم “إتمار” الكردية اليهودية العراقية، ستجد له مسقط رأس، عندما ولدته في مايو 1976 . كانت الولادة في مستوطنة أقامتها “الهاجاناه” الصهيونية، على أراضي قرية “القسطل” التي استعادها منهم جنود عبد القادر الحسيني، قبل استشهاده في معركة ضارية، كتبت عنها في حينها جريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

كانت “الهاغناة” قد بدأت نشاطها العسكري واختارت تلك القرية الصغيرة، كأول هدف لها ـ حسب المؤرخ ميرون بنفستي ـ فاستضعفت سكانها القلائل، واجتاحتها، ولما عاد اليها عبد القادر يوم 8 إبريل 1948 وهاجمها في رابعة النهار، هرب المحتلون كالفئران. لكن المقاتلين الذين تفجعوا لفقد قائدهم، غادروا القرية للمشاركة في تشييع القائد، فعاد المهاجمون اليها مع تعزيزات أخرى!

2- عندما وُلد “إتمار” بعد 28 سنة، كان يرضع الذعر مع حليب أمه. فقد لازم الأسرة شبح الهجوم الفلسطيني على مر السنين. وعندما شب الولد عن الطوق، لم يجد ضالته إلا في المجموعات الصغيرة المتطرف، التي تنادي بطرد العرب وإبعادهم، فتنقل من زمرة الى أخرى، ومن “كهانا حي” الى “موليديت” الى “أرغون” وغيرها، علماً بأن قادة حزب العمل نفسه، كانوا يتطيرون من تلك الزُمر، ليس لرفض في أعماقهم لتطرفها السافل، وإنما لكونها جلابة مصير مجهول يخيفهم.

3 – عندما بلغ سن الجندية، اعتقله الجيش الإسرائيلي، بسبب تطرفه الذي ينافي تعليمات ذلك الجيش، وسرعان ما حسموا أمره، بإعفائه من الخدمة بسبب خلفيته السياسية اليمينية المجنونة ـ أو هكذا يقولون ـ . وعندما لم يجد لنفسه شغلاً انخرط في حزب صغير، من تلك الزمر الصغيرة التي تبيع ثرثرات التطرف، ولا ترى العالم، ولا تعترف بالسياسة، وقد أطلق ذلك الحزب على نفسه اسم “عوتسما يهوديت”. وفي ذلك الزمرة، حاول “إتمار” طرح نفسه الوريث الأيديولوجي لـ “مائير كاهانا” الذي لم يجد لنفسه دوراً في إسرائيل حظرت حزبه خشية على نفسها من جنونه، فسافر الى نيويورك، لكي يُحرض على الفلسطينيين والعرب، وهناك، تلقفه شاب مصري بديع، من بور سعيد الحرة، يُدعى سيد نصير، فقتله وفجر المكان الذي يحويه، علماً بأن “سيّد” شاب مثقف ومتخصص في الفنون التطبيقية.

4 – قدم “إتمار” مبكراً، برهاناً على عدم صلاحيته لممارسة أي مستوى من السياسة، فما بالنا بالحكم، ولم يكن يستحق الإقامة خارج السجن. فقبل اغتيال اسحق رابين بأسابيع، كان قد سطا على كراج سيارة رئيس الوزراء آنذاك، من ماركة “كاديلاك” الأمريكية، وانتزع إشارة الماركة، ووقف كالمنتصر الباهر ليقول بالحرف:”وصلنا الى سيارته، وسنصل اليه أيضاً”. ولم يكتف بذلك، بل مارس أعمالاً إرهابية، وقدمت بحقه العديد لوائح اتهام. معنى ذلك أن إسرائيل قتلت رئيس وزرائها، بتراخيها عن الذين كانوا يتربصون به، وبخلو نخبتها السياسية من الزعامات المؤسسة للدولة المارقة.

 5 – دعا “إتمار” الى طرد الفلسطينيين الذين لا يُظهرون الولاء لدولة إسرائيل مهما فعلت. كان يباهي ويفاخر بالإرهابي الأمريكي الصهيوني من تلامذة “كاهانا” باروخ غولدشتاين، الذي قتل المُصلين الأبرياء في المسجد الإبراهيمي في الخليل، ويعلق صورته. لكن هذا المعتوه، وجد طريقه سالكة الى “الكنيست” ليصبح أحقر مُحرّض على الكراهية، من منصة برلمان دولة، تزعم أنها ديموقراطية، بينما الديموقراطيات في الغرب، لا تسمح لحزب نازي باستغلال برلماناتها.

6 – عندما الاعتقال الإداري للشاب الفلسطيني مقداد القواسمة، وأضرب عن الطعام، في أكتوبر العام الماضي، غضب “إتمار” بسبب نقل مقداد لمشفى إسرائيلي. وقتها وجد لنفسه قضية، لا يتأبطها إلا مخلوق كريه مجرد من الإنسانية. توجه الى المستشفى، لكي يهاجم سرير مقداد، وتصادف هناك وجود النائب أيمن عودة، الذي تصدى له وحدث بينهما عراك، بسبب اتهامه أيمن أنه إرهابي يدعم إرهابيين، بينما الراقد في السرير، لم توجه اليه أية تهمة. وعند التحقيق في الحادثة، تحدث كمن يريد التأكيد على نوايا أقل سفال بقليل:”إنما جئت لكي أرى عن كثب، هذه المعجزة، أن شخصاً ما يزال على قيد الحياة، رغم عدم تناوله الطعام لعدة أشهر”.

والأنكى، أن “إتمار” تقدم بدعوى قضائية ضد أيمن عودة باعتباره مرتكباً “فعلاً إجرامياً خطيرا” بزيارة مريض بريىء.

7- في أحداث حي الشيخ جراح في القدس (أكتوبر من السنة الماضية) شارك “بن غفير” في الهجوم على السكان الفلسطينيين، ملوحًا بمسدس، وطلب من الشرطة إطلاق النار على الناس، وكان يصرخ في وجوههم:”نحن الملاك هنا، تذكروا ذلك، أنا مالك العقارات”!

8-  نتنياهو الوضيع، يتكيء على من هو أكثر منه وضاعة، لكي يحكم ويفلت من محاكمات على فساد بائن. لكن هذه الظاهرة، تنم عن انحطاط يأخذ إسرائيل الى ما يليق بها من النهايات، مهما لقيت رواجاً عند المذعورين في الإقليم. فليقبض نتنياهو من “إتمار بن غفير”. فمن جانبنا نراهم أشباه بعضهم بعضاً، ولن يظفروا بالأمن طالما ظلوا يتوغلون في التطرف ويجعلون معتوهاً صاحب فضل على الحكم في دولتهم.

9- في السياسة، سُمع عباس مراراً، وهو يشترط على “حماس” الاعتراف بما يسمى “شروط الرباعية” لكي ينتهي الانقسام، و”إتمار” يحكم بغير شروط، بينما “حماس” نفسها لم تعارض التسوية وفق المرجعيات الدولية، لكن عباس يريد منها اعترافاً بتفصيلات، رماها المحتلون وراء ظهورهم، وأنكروا الحاجة الى تسوية أصلاً، بل استهزأوا بالسياسة نفسها. ومن خلال هذه المفارقة، لم يعد أمام الشعب الفلسطيني شيء، طالما أن أطيافه السياسية منقسمة، والبوصلة ضائعة، والبؤس مقيم، والسلطات لا ترعى كبيراً ولا صغيرا.

في هذه الحال، إن اشتدت ردود الأفعال الفلسطينية، وارتفع منسوب الغضب، سيردد الوضيع نتنياهو مقولات الإرهاب الفلسطيني، وسيتقمص المحنك “العرة” الذي ابتلينا به، دور الحكيم الذي يشجب، وكأنه منذور للكياسة واللطافة، أو كأنه و”حماس” قد خدموا الحكمة في شيء، على مستويات السياسة والإدارة والحكم ووحدة الشعب الفلسطيني أمام الهجمة العنصرية التي بلغ سيلها الزُبى.

 10-  أيها الراقدون في الإقليم، أيها النائمون في العسل، أيهما الفاقدون للحد الأدنى من ردود الأفعال، إن “إتمار” رضع كراهيتكم منذ ولادته، وكلمة “العرب” عنده غير قابلة للتفكيك. ونحن، عنده وعند أمثاله، محض مرحلة، ينتقل بعدها اليكم، ولا تخلو جعبة هؤلاء من ممارسات يومية ضدكم، تعلمون قليلها ولا تعلمون كثيرها.