الموقف الرسمي

بيانات صحفية

اقرأ أيضاً

المستوطنون ومأزق أربابهم

كتب: عدلي صادق:

على الطريق المرقم 60 في وسط الضفة الغربية في اتجاه نابلس، تحركت أمس، قافلة سيارات للمستوطنين، وعندما وصلت إلى بلدة “حوارة”، وهي مقدها ووجهتها، توقفت وأطلقت موسيقى صاخبة بالأدوات النفخية، للتحرش بأهالي البلدة واستفزازهم، ثم نزل المستوطنون وبدأوا في التخريب والاعتداء، في عملية وصفها جيش الاحتلال بأنها “مشاجرة”، أوقعت أضراراً بمحال تجارية وبالعديد من السيارات وخلّفت ثلاث إصابات.

منظمة إسرائيلية غير حكومية، تُدعى “ييش دين” قالت إن هجوم المستوطنين على البلدة، وقع على مرأى ومسمع من الجيش، الذي يقوم في كثير من الأحيان بدوريات مكثفة عند تلك النقطة من الطريق، الذي تمر فيه مركبات إسرائيلية وفلسطينية، وتقوم على الجانبين، متاجر ومنازل ومرافق فلسطينية. وزودت المنظمة المذكورة وسائل الإعلام بالصور والفيديوهات، ثم قال مديرها التنفيذي يئور عميحاي، إن قافلة المستوطنين التي خرجت من مستوطنة “تبوح” المجاورة، كانت تنفذ هجوماً على “حَوّارة” تخلله ضرب المواطنين الفلسطينيين بالهراوات والمعاول، وإحراق إحدى سياراتهم. وخَلُص عميحاي الى القول “إن المستوطنين يشكلون قوافل لتنفيذ هجمات على السكان، تحت غطاء وحماية من الجيش”!

بيني غانتس، وزير ذلك الجيش، يراقب هذه الأحداث، ويسمع بنفسه كيف يتفشى الآن، بين اليهود أنفسهم مصطلح “الإرهاب اليهودي”. لذا وجد نفسه مضطراً لأن يعترف تلميحاً بأن المستوطنين يؤججون الصراع في الضفة، علماً بأن هؤلاء المستوطنين وجدوا أصلاً في ظلال أفكاره وأفكار سواه ممن لا يعترفون بالتسوية أو بوجوب التوصل إلى حل الدولتين. فقد تحدث واصفاً التعديات اليومية، بأنها عنف ذو دوافع قومية خطيرة، وقال موجهاً كلامه للمستوطنين “إن من يستخدم السلاح بغرض ممارسة العنف، سيُعامل على اعتبار أنه إرهابي”!

لكن الإضطرار لهذا الوصف، لا يمكن ترجمته إلى إجراءات عملية، في ظل حكومة يتطابق تطرفها مع تطرف المستوطنين، وبالتالي إن ما قاله لا يعدو كونه ذراً للرماد في العيون، بل إنه الجواب القلق، على أفاعيل المستوطين ضد يهود مثلهم من اليساريين. ففي المنطقة نفسها، حيث توجد بلدات جمّاعين وبورين وبِيتا وعصيرة القبلية وزعترة وعينابوس وغيرها؛ هاجم المستوطنون مجموعة من النشطاء الإسرائليين اليهود اليساريين، الذين يتحدثون عن السلام، وأوسعوهم ضرباً. ولهذا وجدت حكومة بينيت ـ غانتس نفسها مضطرة لأن تلتزم تقاليد الدولة الحامية لكل مواطنيها اليهود، بمن فيهم من يخالفونها الرأي.

أما حيال المواطنين العرب في الدولة نفسها؛ فإن ظاهرة العنف الأهلي والاغتيالات المتتالية داخل المجتمع العربي الفلسطيني في أراضي 48 أثبتت أن الشرطة ومصالح الأمن الإسرائيلية، تتغاضى عن هذه الظاهرة، على النحو الذي يلامس التواطؤ، مع افتراض أن الظاهرة أصلاً من صنع الـ “شين بيت”!

في أصل الأشياء والظواهر، يمثل التطرف في تعليلاته النفسية، حال الغيبوبة والعجز عن قراءة المشهد العام. فلا يعلم الساسة المتطرفون، أن ظاهرة المستوطنين في الضفة، شكلاً ومضموناً وسلوكاً، يراكم عناصر مأزق عميق للدولة التي قامت على جماجم الضحايا الفلسطينيين، وبسلب حقوق شعب فلسطين في أرضه. فالظاهرة الاستيطانية المتنامية، لم تصبح خارج السيطرة وحسب، وإنما شكلت قوة إكراه لم تجد الدولة حلاً لها، سوى دفع جيشها لأن يحميها ويغطي تعدياتها الهمجية. لكن تجارب الأمم عبر تاريخها، أكدت على ما هو مقرر في النظرية الدولية، وفحواه أن أية دولة لا تحتكر الحق في الإكراه، نيابة عن شعبها وبالقانون، وتنشأ فيها قوة أخرى قادرة على المبادرة إلى العنف وممارسة الإكراه، لن تقوم لها قائمة.

الوضع الآن في الضفة، أن المشروع الاستيطاني، حتى عندما يزداد انتشاراً في كل أرجائها، لن يفلح في ابتلاع المجتمع الفلسطيني أو في إقصائه عن الوجود. فالضفة والمجتمع، ليسا قرية يمكن شطبها أو إخضاعها بالمناوشة وبجريمة قتل. فـ”حوارة” نفسها تعرضت لهجوم مستوطنين، قتلوا مواطناً مسالماً منها في العام 2017 وهي اليوم في العام 2022 صامدة وتستهدفها قافلة مستوطنين مسلحين، ويُعد الحدث معطوفاً على ظاهرة “الإرهاب اليهودي”، الذي يقض مضاجع أرباب هذه الظاهرة. فأي قرية لا يقتلعها مستوطن مذعور، وإنما يؤجج المستوطن المذعور صراعاً بلا نهاية، وهذه حلقة مفرغة وبلا نهاية، لا يمكن الخروج منها بغير ما يسمى حل الدولتين، وهذا ما لا يريد الساسة، أشباه المستوطنين، الاعتراف به!

أخبار قد تهمك