بن غفير وزيراً مرتقباً للأمن… إسرائيل دولة لليهود فقط!

كتب مصطفى ابراهيم: يبدو أن رئيس الحكومة الإسرائيلية المكلف بنيامين نتانياهو بصدد تعيين إيتمار بن غفير وزيراً للأمن الداخلي، وهو ما يمثل انتقالاً بإسرائيل إلى دولة “المواطنين اليهود” دون غيرهم.

إيتمار بن غفير زعيم حزب “قوة يهودية” يدعو إلى تحويل أرض إسرائيل إلى وطن لليهود فقط، وعلى “الأغيار” إما الرحيل أو العيش تحت “الشروط التي يضعها اليهود”.

حزب “تكوما” (بزعامة بتسلئيل سموتريتش ) يعبر وفق البعض أكثر عن الصهيونية الدينية النخبوية، واليهودي الأشكنازي الأبيض. في المقابل، يرى أتباع بن غفير أن حزب “قوة يهودية” قادر على تمثيل الصهيونية الدينية الشرقية المتطرفة، إذ إن معظم قاعدته الانتخابية تقع  بين “الليكود” و”حزب شاس” المتزمت الشرقي.

وقد يكون لأصوله الشرقية بعد في تطرفه وقدرته على التأثير في الفئات الاجتماعية الفقيرة والأكثر تطرفاً وتديناً، فوالده من أصول عراقية ووالدته من كردستان العراق. كان والده كاتباً وعمل أيضاً في شركة للبنزين في القدس، أما والدته فكانت ناشطة في حركة “إيتسل” (التنظيم الوطني العسكري للصهيونية)، التي تأسست عام 1931، وشاركت في عمليات إرهابية ضد الفلسطينيين.

زوجة بن غفير هي أيالا نمرودي ولهما 5 أطفال، وقد انتشرت صور لها وهي تضع مسدساً على خصرها في اجتماع مع سارة نتانياهو ومجموعة من زوجات قادة القائمة اليمينية التي فازت في الانتخابات.

حزب “قوة يهودية”، (عوتسما يهوديت) الذي يتزعمه بن غفير يعتبر حزباً فاشياً، وهو في أقصى اليمين المتطرف داخل تيار الصهيونية الدينية الاستيطاني. وبن غفير، عضو الكنيست اليميني المتطرف، نجح في الحصول على مقعد يتيم في الكنيست الإسرائيلي في آذار/ مارس 2021، بعد تحالفه مع حزبين استيطانيين آخرين.

وفي انتخابات الكنيست التي أجريت في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، فازت قائمة الصهيونية الدينية بـ14 مقعداً، وهي أكثر التيارات تزمتاً وتشدداً داخل مجتمع الصهاينة المتدينين. وهي تحالف بين ثلاثة أحزاب يمينية متشددة: حزب “تكوما” أو (الاتحاد القومي) والذي يترأسه سموتريتش وحصل على 7 من 14 مقعداً، وحزب (قوة يهودية) “عوتسما يهوديت” الذي يترأسه بن غفير وحصل على 6 مقاعد، وحزب “نوعم” برئاسة آفي معوز وحصل على مقعد واحد.

واعتبر ذلك فوزاً غير مسبوق، على طريق تحقيق أهداف التحالف العنصرية، واستكمال بناء المشروع الصهيوني وطرد الفلسطينيين، وإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين.

يتباهى بن غفير بمواقفه المعادية والعنيفة لكل ما هو عربي ومطالبته الدائمة بحل الدولة الواحدة التي لا مكان فيه لأي كينونة سياسية فلسطينية خصوصاً في الضفة الغربية، إلى اهتمامه الخاص بمنطقة الحرم القدسي باعتبارها “جبل الهيكل” الذي منه يبدأ الخلاص اليهودي.

والنهج الأيديولوجي الذي أسسه كهانا عرف في ما بعد باسم “الكهانية” وهو نهج يجمع ما بين التدين السياسي والمغالاة القومية والممارسات العنيفة، ويمكن تلخيصه بالتالي: 1) تحث الكهانية يهود العالم على الهجرة الفورية إلى إسرائيل. 2) معظم العرب المقيمين في إسرائيل (وإسرائيل تشمل الأرض المحتلة حسب الكهانية) هم أعداء للشعب الإسرائيلي ولا يمكن التعايش معهم. 3) معاداة الديمقراطية السياسية باعتبارها خياراً مناسباً فقط لأولئك الذين لم يمن الله عليهم بكتاب التوراة الذي يحتوي على نصوص ربانية حول طريقة السيادة السياسية لليهود. 4 على العرب في إسرائيل أن يعيشوا بدون حقوق سياسية أياً كانت، أما الرافضون فيمكنهم المغادرة طوعاً مقابل تعويضات، ورافضو المغادرة الطوعية سيتم إجبارهم على ذلك بالقوة.

وقد نزعت الشرعية القانونية عن “حزب كاخ” و”عصابة الدفاع”، وتم اعتبارهما منظمتين إرهابيتين ليس في إسرائيل فقط، إنما أيضاً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

مع فوز تحالف الصهيونية الدًينية، يبدو أن الجماعات الكهانية لا تزال حاضرة في المجتمع الإسرائيلي حتى اليوم. واليوم يشكل الكهانيون نواة يقدر عددها بحوالى 100 شخص، إضافة إلى أتباع يشكلون الدائرة الأوسع المحيطة بالنواة ومعظمهم لهم علاقات مباشرة أو غير مباشرة بحزب “قوة يهودية” الذي يمثله بن غفير في الكنيست.

بعد إخراج حزب “كاخ” عن القانون في إسرائيل عام 1994، مرت الصهيونية الدينية المتطرفة بتحولات ساهمت في تطرفها سياسياً وأيديولوجياً.

وأهم هذه الأحداث تمثلت في اتفاق أوسلو الذي أفضى إلى منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً على مناطق داخل الضفة الغربية (1993-1999)، والانسحاب من قطاع غزة (2005).

هذا الأمر دفع تيارات مختلفة داخل الصهيونية الدينية إلى الراديكالية المتطرفة من خلال إنشاء أحزاب وحركات وجمعيات ومدارس دينية. من أهم هذه التشكيلات كان تحالف “الاتحاد القومي” (تأسس عام 1999) وضم تشكيلة متنوعة من الأحزاب اليمينية الاستيطانية واليمينية العلمانية ونجح في الوصول إلى الكنيست حاصداً 4 مقاعد (في انتخابات 1999) ثم 7 مقاعد (في انتخابات 2003)، و6 مقاعد (في انتخابات 2006)، و4 مقاعد (في انتخابات 2009) قبل أن يتفكك عام 2013.

بسبب تفكك “الاتحاد القومي” عام 2013، قام آرييه إلداد وميخائيل بين آري بتأسيس حزب “قوة لإسرائيل”، والذي حول اسمه لاحقا إلى “قوة يهودية”.

وكان إلداد دعا عام 2009 إلى منح الفلسطينيين جنسية أردنية. أما بن آري الذي كان عضواً سابقاً في حزب “كاخ” (قبل نزع الشرعية القانونية عنه عام 1994) فقد كان عضو كنيست ناشطاً جداً داخل “الاتحاد القومي”.

عام 2011 وصف بن آري اليسار الإسرائيلي بأنه جرثومة وعدو لإسرائيل وقارنه بـ”حزب الله” و”حماس”. وعام 2015، دعا بن آري إلى طرد الفلسطينيين والقيام بمشروع ترانسفير قسري.

وعام 2009 اعتقلته الشرطة الإسرائيلية بسبب تهجمه على عناصرها بالقرب من مستوطنة يتسهار. وعام 2019 تم منعه من الترشح للكنيست بعدما قدمت “حركة ميرتس” التماساً للمحكمة تتهمه بالتطرف الشديد. لكن الأهم، هو أن بن آري وبعد انتخابه عضواً في الكنيست في انتخابات 2009 قام بتعيين مساعدين له من مستوطنات الخليل، كان أحدهم إيتمار بن غفير.

مر حزب “قوة يهودية” بسيرورة متعرجة من التحالفات والتكتلات مع أحزاب صهيونية دينية في أوقات مختلفة، ففشل تارة في اجتياز نسبة الحسم لصغر حجمه ونجح في مرات أخرى بسبب تحالفاته الانتخابية. آخر تحالف انتخابي لحزب “قوة يهودية” كان عند تشكيل “قائمة الصهيونية الدينية” التي ضمت إضافة إلى “قوة يهودية”، كلاً من “نوعام” (حزب صهيوني ديني يتخذ من الحيز الاجتماعي وليس السياسي ميدانا للتدخل) وحزب “الاتحاد القومي- تكوما” (بزعامة بتسلئيل سموتريتش). هذا التحالف منح حزب “قوة يهودية” مقعداً واحداً في انتخابات آذار 2021.

يستند السلوك السياسي لبن غفير إلى مشوار طويل من العنف والعداء للعرب والانتقاد الدائم للمؤسسة الحاكمة بسبب “اللين” الذي تبديه، لا سيما تجاه الفلسطينيين، بحسب الكهانية.

بن غفير، المحصن بآلة إعلامية قادرة على صياغة الأحداث، وإخراجها وتنفيذها، يطمح على ما يبدو إلى تكريس خطاب معاداة العرب والمؤسسات الديمقراطية للدولة، وتحويله إلى روتين يراه الإسرائيلي يومياً ويتعاطف معه أكثر من أي وقت.

على رغم صغر حجم الكهانيين وأتباع إيتمار بن غفير، إلا أن أعمالهم تنذر بالتحول إلى ممارسات “مألوفة”، فسلوكهم في الميدان، وعلى رغم أنه استعراضي ومجبول بالعنف، إلا أنه يستند إلى مسوغات أيديولوجية تجمع ما بين الرهاب من العرب والفكر الصهيوني الديني الخلاصي الساعي إلى أرض إسرائيل “الطاهرة” من الأغيار.