اقرأ أيضاً

بيانات صحفية

سكان غزة المهجّرون… رحلة البحث عن الرمق الأخير

بقلم: مصطفى إبراهيم 

في ظل هذا الظلم والنكبات المستمرة، ما زال الفلسطينيون يرددون  كلمات محمود درويش “كم كنت وحدك يا ابن أمي”، ‏ وكأن قدرهم عموماً وغزة على وجه الخصوص، على موعد طويل الأمد مع الخيمة والحرب والصقيع، وهي واحدة من وجوه الحرب على غزة، وتطارد الفلسطينيين كأنها سمة من سماتهم الأبدية.

ما زالت الحاجة فاطمة، بعد أكثر من مئة يوم من الحرب الإسرائيليّة على غزّة، تردّد: “رجعوني على دارنا في برير، ليش جبتوني على رفح”. برير مسقط رأس الحاجة فاطمة، حيث أمضت صباها وشبابها.

الانتظار الآن هو سيّد الموقف في قطاع غزّة، والحديث الطاغي بين الناس يدور حول نجاح صفقة الأسرى، والتوصل الى التهدئة ووقف الحرب، وردّ حركة حماس الذي تأخر على مقترحات وقف إطلاق النار، ما يغذي الإحباط وثقل الانتظار والإشاعات حول رفض حماس المقترح.

لكن ما زال الأمل قائماً بعد نفي حماس صحة الأخبار المتداولة حول رفض الحركة مقترحات وقف إطلاق النار، لكن لم يعد لدى الناس صبر أكثر، ولا يخفون رغبتهم في التوصل الى التهدئة الآن وبأي شكل، فالمهم أن تتوقف الحرب ومعاناتهم العظيمة، وأن يعود النازحون الى بيوتهم وحياتهم.

الحاجة فاطمة (90 عاماً)، نزحت مع عائلتها من بيت لاهيا في شمال قطاع غزة إلى خان يونس في الأسبوع الأول من الحرب، بعدما أجبر الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين على مغادرة منازلهم بالقوة الى وسط القطاع وجنوبه.

أقامت الحاجة فاطمة مع عائلتها في شقة في خان يونس نحو شهرين. وفي الأول من كانون الأول/ ديسمبر، اضطرت العائلة للنزوح مرة ثانية بعد إعلان الجيش الإسرائيلي اجتياح خان يونس برياً.

تُقيم الحاجة فاطمة منذ أكثر من شهرين في خيمة من البلاستيك (النايلون)، أقامها أبناؤها على قطعة أرض لأحد أصدقاء العائلة في حي تل السلطان غرب مدينة رفح.

تحوي قطعة الأرض عدداً من الخيام يقيم فيها أكثر من 40 شخصاً من أبنائها وأحفادها، نصفهم من الأطفال والنساء، من بينهم خمس حوامل في الأشهر الأخيرة، ولا تتوافر لهن رعاية طبية أو نفسية أو راحة بدنية أو مكان آمن ودافئ.

خلال الفترة الماضية، لم تتوقف الحاجة فاطمة عن ترديد كلمات قليلة “رجعوني على دارنا في برير، ليش جبتوني على رفح، أنا بدي ارجع على برير”. تبعد برير عن مدينة غزة 21 كيلومتراً، هي قريتها التي وُلدت وتربت فيها وهُجّرت منها بالقوة، إذ طُرد أهلها وقُتل عدد منهم على أيدي العصابات الصهيونية في العام 1948.

هذه الهجرة وهذا النزوح الثالث عاشتهما الحاجة فاطمة، إذ اختبرت النكبة الكبرى ومآسيها وأهوالها، والآن تعيش النكبة الثانية بكل تفاصيل الأولى، هي التي اضطرت للعيش وحيدة إثر وفاة زوجها بعد عشرين عاماً من النكبة.

اضطرت بعدها الحاجة فاطمة للعمل في التجارة مع شقيقها لتربية أولادها وبناتها وتعليمهم حتى أصبحوا ذوي شأن، ولا تعلم أي هجرة ونكبة جديدة قد تحلّ بها، ربما تكون خارج فلسطين كما تخطط إسرائيل، لا قريتها برير، أو حتى منزلها في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، الذي يبعد عن قريتها الأصلية أقل من 15 كيلومتراً.

في ظل هذا الظلم والنكبات المستمرة، ما زال الفلسطينيون يرددون كلمات محمود درويش “كم كنت وحدك يا ابن أمي”، ‏ وكأن قدرهم عموماً وغزة على وجه الخصوص، على موعد طويل الأمد مع الخيمة والحرب والصقيع، وهي واحدة من وجوه الحرب على غزة، وتطارد الفلسطينيين كأنها سمة من سماتهم الأبدية.

ما بعد خان يونس

اليوم، بعد أكثر من 100 يوم على الخراب، العنوان الرئيسي في وسائل الإعلام الإسرائيلية، هو رفح وما بعد خان يونس، التي تتعرض لتدمير منهجي فاق حجم الدمار في غزة والشمال، منذ أكثر من شهرين.

الاعتقاد لدى الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتانياهو، بأن السيطرة على رفح ومحور صلاح الدين (فيلادلفيا)، تعني أن الجيش الإسرائيلي قد حقق أهداف الحرب كاملة من خلال العملية البرية المنتظرة، وتدمير ما تبقى من كتائب القسام في رفح، والعمل عسكرياً فوق الأرض وتحتها للوصول الى قيادة حماس وكتائب القسام، وأماكن وجود الأسرى المختطفين الإسرائيليين.

الحديث الصباحي اليومي في الإذاعة الرسمية الإسرائيلية (كان)، يدور حول العملية البرية في خان يونس، والتي يقال إنها قاربت على الانتهاء خلال أسبوع أو 10 أيام، يحقق بعدها الجيش نحو 40 في المئة من الأهداف، لـ”يعمل بحذر ولا يقصف في كل مكان خشية المسّ بالمختطفين، وقيادة حماس التي تتخذهم دروعاً بشرية”.

يدور النقاش أيضاً حول رفح، والتي يُفترض أن ” قيادة حماس هربت إليها عبر الأنفاق التي تصل الى سيناء”، ناهيك بعدم اتخاذ قرار باجتياجها، وفشل المحاولات السياسية مع مصر.

كما يدور الحديث حول رفض سياسي لإعادة النازحين الى بيوتهم في غزة وشمالها خوفاً من “المس بإنجازات الجيش”، إلى جانب عدم نقلهم الى المواصي أو الى خان يونس التي لا تستوعب المليون ونصف المليون نازح، إذ تشير التقديرات الى أنه من المرجح تأجيل الموضوع إلى ما بعد التهدئة التي ستستمر شهراً ونصف الشهر، ما يزيد من قلق الناس مما يخبئ لهم المستقبل القريب وهاجس التهجير الماثل أمامهم.

غزّة على هامش التاريخ”

تجاوز عدد القتلى في قطاع غزة الـ30 ألفاً، بينهم أكثر من 12 ألف طفل، وأكثر من 8 آلاف امرأة، ليصل مجموع من قُتلوا أو جُرحوا أو فُقدوا خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة إلى ما يقارب الـ100 ألف، أي نحو 5 في المئة من مجموع سكان قطاع غزة، وهي تكاد تكون النسبة الأعلى للضحايا في أي حرب في التاريخ المعاصر. يضاف إلى ذلك أكثر من مليون ونصف المليون نازح في رفح، من مجموع السكان البالغ نحو 2.3 مليون نسمة.

المنطقة المحددة في الخرائط كافة التي ينشرها الجيش الإسرائيليّ كـ”منطقة آمنة وحيدة”، تكتظّ الآن بعشرات الآلاف من الخيام التي تؤوي النازحين/ات في ظروف إنسانية متدهورة تفوق التصوّر الإنساني.

تشير استطلاعات الرأي وما يُنشر في الصحافة الإسرائيلية ووسائل التواصل الاجتماعي، الى أن فئة كبيرة من الإسرائيليين يرون قطاع غزة على أنه منطقة صغيرة على هامش التاريخ، وسكانه مجموعة من الناس البدائيين، من دون تاريخ وحضارة، يعيشون في عزلة عن العالم الخارجي. فيما يراه أفراد من اليمين المتعصّب الديني أنه منطقة جغرافية عبارة عن شريط حدودي يقع على شاطئ البحر، يشكل إزعاجاً لسكان حزام غزّة، و”لا بد من تدميره لرؤية البحر”، حسب تعبير دانيلا وايس، زعيمة حركة ناحالا الاستيطانيّة.

‏يترافق ذلك مع خطاب تحريضي يصف القطاع بـ”دولة إرهابية”، تخطط وتحاول القضاء على إسرائيل، هذه الصورة ترافقها دعوات واضحة لإعادة استيطان غزّة، بوصفها امتداداً لـ”دولة إسرائيل” حسب الشعارات التي رُفعت في مؤتمر “انتصار إسرائيل” الذي أقيم في القدس.

ناهيك بإشارات في صحيفة هآرتس مثلاً، إلى تجاهل وجود قطاع غزّة حتى في الأعمال الفنية والثقافيّة الإسرائيليّة، فغزة غير موجودة سوى “عبر الدعاية الإسرائيليّة”، في تجاهل تام لخضوعها لعقاب جماعي طويل الأمد.

خلال الأيام الماضية، فوجئ بعض الإسرائيليين والعالم، بأن الجيش الإسرائيلي حرق بيوت الفلسطينيين في شمال قطاع غزة، ومدينة غزة، أثناء العملية البرية التي نفّذها الجيش الإسرائيلي.

في رواية أحد ضباط الجيش الإسرائيلي لتبرير حرق البيوت ، قال: “كل بيت قمنا بالدخول إليه، وجدنا مواد قتالية”، وهذه رواية الجيش الإسرائيلي المعتمدة منذ بداية الحرب، سواء في الإعلام أو الأخبار الرسميّة. هذه القصة نشرتها هآرتس نهاية الأسبوع الماضي، بعدما رفضت الرقابة العسكرية نشرها 5 مرات خلال الشهرين الماضيين.

تُلخص الرواية المقدّمة من المتحدث الرسمي للجيش، بهذه الطريقة: “يقوم الجيش بالسيطرة على مواقع حماس، وتدمير مئات الآبار وفتحات الأنفاق، وتفتيش المنطقة والبيوت وتطهيرها، والعثور على مواد وعتاد عسكري وأسلحة، بنادق وقنابل مخبأة بين الملابس، بخاصة ملابس الأطفال وغرف نومهم مخزّنة في أكياس مكتوب عليها “أونروا”، وتم القبض على عدد من مقاتلي النخبة، واعتقالهم، وقتل العشرات منهم”.

هذه البلاغة تبرّر حرق الجنود الإسرائيليين منازل الفلسطينيين في غزة، بحجة “وجود إرهابيين” لا الانتقام، لأنه، وللمفارقة، لا يوجد ما يكفي من المواد المتفجرة لتدمير دولة (إرهابية) مزدوجة، فوق الأرض وتحتها.

‏الرقابة العسكرية على الأخبار والقصص الإخبارية جزء من حرب الدعاية والتضليل في الحرب، بذريعة “الحفاظ على الأمن العام للدولة”، واعتبرها البعض نتيجة “إفلاس قادة إسرائيل” خصوصاً مع تصاعد وتيرة الحرب وعدم تحرير أي رهينة إلى الآن، وارتفاع عدد قتلى الجيش الإسرائيليّ.

رسائل قصيرة “مزعجة”

في اليوم الـ 119 للحرب، وأول مرة منذ بداية الحرب، وصلتني رسالة عبر الواتساب من صديقي أبو موفق، مفادها: “جمعة مباركة عليكم”.

هذه الجملة التي كان يتداولها الفلسطينيون كل يوم جمعة بأشكال مختلفة عبر الرسائل النصية أو وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وكان يعتبرها كثيرون (وأنا منهم) أنها مزعجة.

‏هذه المرة لم تكن مزعجة، إحساس غريب نبّهني لعادات كثيرة أُجبرنا على التخلّي عنها، ناهيك بأنها أشعلت شعوري بالحزن والحنين، إذ غابت هذه الرسالة على مدى أشهر بفعل صعوبة الاتصالات والإنترنت.

“جمعة مباركة عليكم” غابت إثر انشغال الفلسطينيين النازحين في الخيام في رفح، بمراقبة الخيام و”حمايتها” في حربهم مع الرياح الشديدة، وسعيهم لمنع دخول مياه الأمطار الغزيرة والمستمرة في الهطول منذ أسبوع إلى الخيمة، وهمّ تدفئة أبنائهم بسبب الطقس شديدة البرودة الذي تزداد حدّته في الليل،  والحفاظ على ما تبقى من حياتهم. مع ذلك، لم تكن الرسالة التي انقطعت منذ أشهر مزعجة.