الموقف الرسمي

بيانات صحفية

اقرأ أيضاً

صراع المفاهيم و حرب المدركات

كتب توفيق أبو خوصة:إن تعريف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية و التمييز العنصري هذا ما تضمنه القرار ( 3379 / 1975 ) الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة ،،، كان من أهم الإنجازات الفارقة التي تحققت للقضية الفلسطينية على صعيد التضامن الدولي و كسب الرأي العام العالمي ،،،، بالإستناد على جملة من القرارات و المواقف السابقة للمجتمع الدولي  منذ ( 1963 ) و أهمها إعلان المكسیك (1975 ) الذی أعلن المبدأ القائل بأن التعاون والسلم الدولیین یتطلبان تحقیق التحرر والاستقلال القومیین، وإزالة الاستعمار والاستعمار الجدید، والاحتلال الأجنبی، والصهیونیة، والفصل العنصری والتمییز العنصری بجمیع أشكاله، وكذلك الإعتراف بكرامة الشعوب وحقها فی تقریر مصیرها).

للأسف تعرض هذا القرار الهام للإلغاء من الجمعية العامة بناء على القرار الأممي ( 4686 / 1991 ) الذي جاء تلبية للشرط الإسرائيلي للمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام ( 1991 ) ،،، وهكذا حقق الإسرائيليون كسبا إستراتيجيا بلا ثمن قبل أن يبدأ المؤتمر الذي لم يحقق شيئا للفلسطينيين لا هو ولا غيره من المؤتمرات و الإتفاقيات اللاحقة التي حملت المزيد من التنازلات العربية المتواصلة حتى الأن على حساب القضية الفلسطينية للحد الذي وصل لدرجة التطبيع السياسي و التعاون الأمني و الاقتصادي بين بعض الدول العربية و سلطات الاحتلال الإسرائيلي ،،، و أصبح التنسيق الأمني يحمل صفة القداسة بين أجهزة الأمن الفلسطينية و الإسرائيلية ،،، كل ذلك يتزامن مع إزدياد التطرف و التغول العنصري و العدواني للحركة الصهيونية التي تحولت إلى قوة غاشمة فوق كل القوانين و الأعراف و المواثيق الدولية .
في ذات السياق من الحرب الخفية و إستخدام القوة الناعمة في الخطابين السياسي و الإعلامي غاب مفهوم الصراع العربي / الإسرائيلي ،،، وحل مكانه توصيف النزاع العربي / الإسرائيلي الذي لم يعمر طويلا ،،، ليبرز مؤقتا مفهوم الصراع الفلسطيني / الإسرائيلي ،،، الذي تلاه توظيف صفة النزاع الفلسطيني / الإسرائيلي وصولا لمفاوضات تسوية القضية الفلسطينية بإعتبار الأرض المحتلة في حزيران 1967 مناطق متنازع عليها بعد أن قام المحتل الإسرائيلي بفرض كل الوقائع التي تعزز المخططات الصهيونية على الأرض في مقدمتها الإستيطان و التهويد و التطهير العرقي على أرضية عنصرية ،،، وإستمرارية العدوان الشامل و المتواصل على كل ما هو فلسطيني و عربي ،،، كل ذلك لم يكن عشوائيا بل جاء ضمن مشروع تراكمي يعتمد على كي الوعي العربي و الفلسطيني و تشكيل الرأي العام العالمي وفق مصالح الحركة الصهيونية العالمية لتعزيز الوجود الإسرائيلي في المنطقة و منحه المشروعية و الشرعية على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني .
لا شك أن جملة من العوامل المكثفة بالمراكمة في صراع المفاهيم و حرب المدركات ساهمت إلى حد كبير في التأثير السلبي على الوعي العربي و الفلسطيني ،،، وقد سار المخطط بالتوازي على عدة مسارات تمكنت من خلق واقع يقوم على تزييف القناعات و المنطلقات الثقافية و التربوية و قولبة الرأي العام و تدجينه عبر ممارسة كي الوعي بالتدرج في توظيف المفردات و المصطلحات اللغوية و ما تحمله من دلالات فارقة في المفاهيم و الأبعاد التي تنعكس في بناء الوعي الفردي و الجمعي للمواطن العربي و الفلسطيني مثل ( العدو الصهيوني – الكيان المسخ – الاحتلال الإسرائيلي – دولة الاحتلال  – دولة إسرائيل – إسرائيل شريك – إسرائيل الصديقة – إسرائيل الحليف ) ،،، بل الذهاب إلى إعتبار الخطر الفارسي مقدما على الخطر الصهيوني في المنطقة و تغيير مفهوم الأمن القومي العربي بكل الطرق الممكنة بدعم غربي و إسرائيلي .
إن التذرع بالواقعية السياسية هو الأخطر بالإستناد إلى ما يتم تسويقه و ترويجه من المفردات و المصطلحات التي يصدرها لنا الغرب برؤية تخدم المشروع الصهيوني و تحمل في طياتها مضامين سياسية و قانونية تصب في تحقيق مصالح العدو الإحتلالي و تشكل له الغطاء اللازم لإنجاز أهدافه ،،، من خلال إستجلاب الطرفين العربي و الفلسطيني لتقديم التنازلات المطلوبة بلا ضجيج أو إستفزاز المشاعر القومية و الوطنية التي قامت على أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمتين العربية و الإسلامية ،،، مع أن حقيقة الأمر هناك تصادم و تناقض يتم تغييبه و الإلتفاف عليه من خلال لغة الواقعية السياسية التي تصطدم بالثوابت الوطنية و اللغة الحقيقية المعبرة عنها وتلامس الوجدان الوطني و القومي و الإنساني ،،، لذلك من الأهمية بمكان أن تكون الرؤية السياسية قادرة على تحديد لغة الخطاب الإعلامي و السياسي و مفرداتها المستخدمة و تضمينها في المواقف التكتيكية بما يخدم الأهداف الإستراتيجية ،،، وليس المتاجرة بالواقعية السياسية من أنصار الليبرالية المزيفة و إرتباطاتها الإنتهازية التي لاتخطئها العين  ،،، الذين تم صناعتهم و برمجتهم وفق رغبات و توجهات العم سام ،،، للتسليم و الإستسلام أمام وجود الكيان الصهيوني في فلسطين و منحه الشرعية المبتغاة و دمجه في المنطقة تحت شعارات الواقعية السياسية ،،، من خلال تكريس و تعميم مفاهيم التطبيع و التعايش مع هذا الوجود اللاشرعي ،،، وصولا إلى فرض سيطرة المشروع الصهيوني كقوة إقليمية تشكل غطاء حماية للنظام العربي الرسمي  و تأمين المصالح الغربية في الإقليم بالوكالة ،،، بإعتبار ذلك يمثل نجاح الهدف الإستراتيجي لإنشاء الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي .
فلسطين تستحق الأفضل … لن تسقط الراية .

أخبار قد تهمك