آخر الاخبار

في منطق “السلام الدافيء”

كتب عدلي صادق: البيان الإسرائيلي ـ البحريني المشترك، الذي صدر في ختام زيارة نفتالي بينيت الى المنامة؛ يتحدث عن كل شيء ما عدا السلام الذي يُفترض أن المطبعين قد طبعوا لكي يساعدوا على التوصل اليه. وكان الأوجب في رأينا، عدم الخروج ببيان، والاكتفاء بتصريح بروتوكولي، تلافياً للمزيد من الحرج. فلا موضوع للبحرين في البيان، غير خطة تُدعى “السلام الدافيء” كان موضع الغرابة فيها، أن إنجازها سوف يستغرق عشر سنوات، كأن أحداً منع المنامة وتل أبيب من تحقيق التدفئة في التو والحال.

يمكن العثور على حل للغز، من خلال ما جاء في التفصيل. فالجماعة سيواجهون معاً التحديات الإقليمية، بما في ذلك “التهديدات النووية والنشاط الإرهابي والتطرف الديني والفقر والتحديات الاجتماعية”. وسيُولي البلدان المتصالحان “إهتماماً خاصاً بالنظم الإيكولوجية للابتكار، والأمن الغذائي والمائي، والطاقة المستدامة، والرعاية الصحية، والتعليم، والتجارة، والاستثمار، مع برامج التبادل الطلابي، التي ستقوي الروابط وتعزز الحوار والتفاهم بين شباب البلدين”!

كأنما كانت البحرين صومالاً في القرن الإفريقي، أضناه وجفف حلقه العطش وفتكت به الأمراض، وتفشت الأمية، وجاء نفتالي بينيت للإنقاذ على كل صعيد، أو كأن حرباً نشبت بين إسرائيل والبحرين، وجاء بينيت المتطرف في الشتاء، لكي يحقق مصالحة مجتمعية، ويقدم الحب مع التدفئة. أو كأن أحداً منع الطرفين من تدفئة ما انعقد بينهما من سلام، أو أن هناك حاجة، لتصفية آلام الحرب بين دولتين، لم نسمع أنهما تقاتلتا.

إن مثل هذا المنطق، لن يصمد أمام ادنى اختبار لمروءة إسرائيل وقدرتها على الإسهام في استقرار أي منطقة في الإقليم أو العالم. فالعكس هو الصحيح، وستعلم الأطراف كلها أن وجود إسرائيل في مناطقها، سواءً المشرق العربي أو في إفريقيا، يسمم المناخات وعلاقات الجوار، إن لم يكن بحكم مقاصد إسرائيل الاستراتيجية، فسيكون لأنها هي نفسها تراكم في كل يوم، عناصر الحرب، بما تفعله في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي سوريا، وبمفاقمة المخاطر التي تتهدد استقرار كل شعوب الإقليم، وتتسبب في نمو التطرف، بتأثير إحساس الناس بأنها مسلوبة الكرامة…

في زيارة لرئيس السلطة محمود عباس الى البحرين ذات يوم؛ لم يتحرج من أن يطلب من مضيفه الملك، أمام الحاضرين، مساعدة ابنه على دخول سوق المشاريع البحرينية بأفضلية استثنائية. وبالطبع لا يستطيع رئيس السلطة، طالما أن هذا مستواه، تذكير الملك بأن خلو بيانه المشترك مع بينيت، من كلمة واحدة عن السلام في الشرق الأوسط، يمثل عيباً وانكشافاً ليسا من مصلحة النظام، وتذكيره بأن بينيت، شريك الغفلة في خطط السلام الذي لم تسبقه حرب؛ ليس أقل اعتداءً على البشر والبشرية من الدواعش، هذا إن لم تكن الدواعش منتوجاً مشتركاً بين إسرائيل وأعدائها الذين عرفتهم وتعودت عليهم وتضربهم في كل ساعة.

بيانات مطبعين كُثر، تتطرق الى القضية الفلسطينية بعبارات الرجاء النُصح بوجوب الحل. لكن مجرد عدم فتح الموضوع مع الزائرين من عناصر الحكم المتطرف في إسرائيل؛ يقنع ناخبيهم وقاعدتهم الاجتماعية بأن أسلوب العناد وإنكار الآخر وسد أفق التسوية هو الأصح، وان الخطر يأتي من المرونة، وعندئذ تكون النتيجة أن يصبح التطبيع مشروعاً لإهدار ماء الوجه والتذكير بالهوان العربي، وتظهير العجز عن التلفظ بكلمة حق، أو اقتناص حرف من كلام العقل والحكمة، من دماع متطرفين عنصريين، يعربدون. وهذا ـ بالمناسبة ـ أمر له انعكاسات على السيكولوجيا الجمعية للشعوب، من شأنها أن تُنتج اضطراباً.

هؤلاء الذين يستقبلهم العرب باحترام، يعتدون في كل دقيقة، على شعب عربي مظلوم، و يهينون في كل دقيقة، نظاماً فلسطينياً لم يتأخر عن معاونتهم والتنسيق الأمني معهم، ويستهدفون أصحاب الأرض في بيوتهم وحقولهم وأحيائهم وعلى طرقاتهم، ويصرون على إنكار وجودهم وحقوقهم وآدميتهم.

وفي ساعات المواجهة لا يتورعون عن قتل الأطفال بالجملة وهؤلاء قطعاً يحتقرون ثقافة العربي أياً كان، ويتندرون على ثقافته ولباسه، وعلى بحبوحته وتقمصه أدوار الفطنة والذكاء والتمسح بالسلام والتباهي بالعمران.

كل مطبع خاسر، قديماً كان أم جديداً، ومن يكابر ولا يريد أن يقتنع، ستقنعه الأيام وهبوب الرياح، وسيظل هذا موضوعاً مفتوحاً للنقاش، دون مساس أو اعتداء أو خصومة. فنحن في حاجة الى جميع الأشقاء، ونقدر لهم عطاءهم على مر المراحل.

 

 

أخبار ذات صلة