الموقف الرسمي

بيانات صحفية

اقرأ أيضاً

كتب عدلي صادق: إعمار البُنيان وإعمار السياسة

كتب: عدلي صادق 

ما تزال الوقائع التي تشهدها غزة، تراكم عناصر منع الحرب، لكي يرتسم الوجه الآخر للمشهد الفلسطيني في القطاع، الذي يعيش سكانه أقسى وأسوأ ما مر عليهم في التاريخ. فإعادة الإعمار، تبدأ في رفع البنيان وتخفيض احتمالات الحرب. وكلما تتقدم الأولى، تزداد الثانية إنخفاضاً. فكلٌ من الإثنتين موصولة بالأخرى. لكن الأمر على المستوى السياسي، يؤشر الى أن مخاطر الإنقسام الفلسطيني، تحث طرفا الحكم، أكثر من أي وقت مضى؛ على الذهاب سريعاً الى وفاق وطني، تقوم عليه كيانية ذات مؤسسات دستورية، وإلا فإن السياق كله سيؤدي الى عودة الأمور في الضفة وغزة، الى ما قبل حرب 1967 مع إبقاء الأولى تحت سكين إستيطان همجي، يقضم الأرض، ويؤسس للإشتباك المستدام، إذ يراكم أمراً واقعاً، يحمل في ثناياه كل عناصر الإنفجار!

الربط بين الضفة وغزة، وهما جزءا الدولة الفلسطينية التي لن تتحقق بدون الوحدة التمامية لأراضيها؛ ما يزال مسكوتاً عنه فلسطينياً، بينما إعادة الإعمار، تجري لإحراز الهدف القريب، وهو تكريس التهدئة، ثم تأطيرها باتفاق يتعلق بغزة. وهذا بحد ذاته مُعطى مقلق على صعيد الهدف البعيد، وهو الوصول الى الدولة الفلسطينية على أراضي عدوان 1967!

إن هذا هو الذي أوجب على طرفي الخصومة التفكير بجدية في مصير القضية. فهما الآن، أمام تحدٍ لا مناص منه. فإن لم تكن هناك قراءة سياسية واقعية ومسؤولة، للمعطيات الراهنة، تدفعهما الى وفاق يعاد به إعمار السياسة، مع إعمار البُنيان، فإن فرضية الجنون واللا مبالاة، هي ما سوف يتأسس ويغلب!

الأردن ومصر، بما لهما من نفوذ في الضفة وغزة؛ طرفان متوافقان على مستوى السياسة الإقليمية، ما يسمح لهما بالضغط، في سياق خطة واحدة، لإنجاز وضمان نجاح اتفاق فلسطيني. فلا يستطيع حكم الأمر الواقع، سواء في الضفة أو غزة، مقاومة ضغوط الشقيقتين مصر والأردن معاً. بل إن الشقيقتين، وهما تتقدمان على خطوط الإتفاقات الإقتصادية الثلاثية مع إسرائيل؛ تستطيعان التأثير أيضاً على موقف هذه الأخيرة، عندما تصبح حكومتها المتطرفة التي تنكر الحاجة الى أي نمط من التسوية؛ أمام أحد خياران: إما التعاون أو العودة الى ما قبل التطبيع. لكن المسألة في كل الأحوال، تتطلب مبادرة فلسطينية بغير وسطاء، لإنجاز ما يسمى “المصالحة” على أسس دستورية وقانونية. وبغير ذلك يكون طرفا الخصومة، قد أنجزا العكس وأجهزا على كل الأمنيات، وهو فصل الضفة عن غزة، والتخلي عن هدف الدولة الفلسطينية، والمراوحة في مربع اللا بدائل!

أغلب الظن، أن الطرف المصري، وهو يحُث الخطى لإعادة الإعمار في غزة؛ لديه من الإشارات المشجعة على الشروع في هذه العملية، إذ لا يُعقل أن يكون هناك بناء مع احتمالات العودة الى الحرب. كذلك فإن المصريين يدركون حقيقة مهمة، وهي أن سكان غزة، لا يريدون التعرض مرة أخرى الى القصف، ويدركون أيضاً أن إسرائيل ليس لديها ما تتعهد به لأي طرف، في حال اندلعت مواجهات. فلأتفه الأسباب، تراها تصرخ وتدعي المظلومية لكي تقصف بأعتى الطائرات, بلا حتى أخلاق حرب، وبلا شرف وإنسانية وبلا كابح، طالما أن الولايات المتحدة ومعظم أوروبا، يؤيدونها ويتحدثون ـ حسب تعبيرهم ـ عن حقها “في الدفاع عنى النفس”. لذا وكذلك، فإن عملية إعادة الإعمار تحظى بالتأييد الشعبي الفلسطيني في غزة، وهنا ينشأ السؤال: كيف تنبثق السياسة عن التهدئة، ما لم يكن هناك نظام وطني فلسطيني، يحمي وينّمي رواية التحرر، ويرعى المجتمع ويطببُ جراحاته العميقة، بعد أن وصل الى حال من البؤس غير مسبوقة.

لا يملك طرفا الخصومة، ترف التجاهل وإستمراء الحكم، دون الإسهام في التحرك الى الأمام، في اتجاه الفاعلية السياسية. أما الجوار الإقليمي القريب، والفضاء العربي والإسلامي البعيد؛ فمن واجبيهما، ممارسة الضغوط، لكي يستعيد الطيف الفلسطيني السلطوي وحدته، في إطار منظومة الدولة، طالما أنهما يتحدثان عن دولة. وبدون ذلك سيظل إعمار البنيان، منفصلاً عن إعمار السياسة، لتصبح الهدنة المستدامة في غزة، مع العوار المستدام في الضفة، سبباً في تضييع القضية!

أخبار قد تهمك