الموقف الرسمي

بيانات صحفية

اقرأ أيضاً

كتب عدلي صادق: التيار والقوقعة

كتب: عدلي صادق

من أطرف ما سُمع في ردود الأفعال على عزم تيار الإصلاح الديموقراطي في حركة فتح، إجراء انتخابات داخلية؛ هو الحديث عن مَظنة تأسيس فصيل جديد، ينشق عن القديم، وتنفرج بولادته أحوال القوقعة وأسارير عناصرها الذين سينفردون بحركة فتح، بعد طول انشغال، على تحويلها الى إطارٍ راضخ ومترهل، أقصى ما لديه أن يخدم ـ بمجرد السكوت ـ المشروع الأمني الذي في رأس الطامحين الى الوراثة.
غير أن التيار المتمرد على هذا المآل؛ هو أجدر من يتبقى في فتح، وآخر ما يُعدُ عبئاً عليها. وهو ـ على الرغم من نواقصه ـ ضمانة أن لا تكون هذه الحركة معرضة للإندثار، عندما يتبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا.
تيار الإصلاح، أصلاً، وُلد مشقوقاً لا منشقاً، ثم استمر الذين شَقّوه، في إهدائه منتسبين جدد في كل يوم، من خلال الإقصاء الظالم، بغرائز المناطقية، وبضآلة الرؤية، وبتأثير العُصاب والرُعاش الذي سكن القوقعة على مر عشر سنوات، حتى أصبح دحلان، كابوس نومها وشغلها الشاغل، وقاعدة بناء استراتيجياتها الأمنية الذليلة.
كانوا في ذلك، كمن يخلق العلة والغُمة لنفسه، ثم يشكو ويتحسب، ويخشى حتى من الإستشفاء. لكن الأطرف والأدعى الى الرثاء، هو اضطرار القوقعه، الى تسخير المال والإعلام والحلفاء والأعطيات والسفارات والتعيينات والمحطات الأمنية والذباب الإلكتروني، لتطيير الإتهامات التخوينية الكثيرة لقيادة التيار ومنتسبيه، وكلها ـ وهنا موضع المفارقة ـ ليست إلا من نوع الممارسات المشهودة والوظائف نفسها التي تؤديها القوقعة وموالوها الأقربون، ولا يؤديها التيار أو قيادته أو أي طيف وطني آخر سواها!
كلما مر الوقت، كانت حقائق الأمور تنكشف، حتى وصلنا الى لحظة الجَرْد النهائي لمُخرجات الثرثرات كلها: فلا علاقة للتيار ومؤسس التيار، بنوايا إسقاط رئيس بالمظلة، إذ ليس هناك حاجة، مع الرئيس الحالي، الى عملية إنزال. ثم بئس من يرضى على نفسه إسقاطاً، وبئس الشعب الذي يرضى برئيس يُفرض عليه. وما على الذين يفرضون أنفسهم بدون مظلة، إلا المغادرة إن كانوا يجرؤون. كذلك لا صلة للتيار وقيادته بأي عوار في السياسة الإقليمية. وبالعكس هو الطرف الوحيد الذي يمتلك هامشاً واسعاً لطرح قضية شعبه بكل مدركاتها، وهامشاً للنقد السياسي بالجملة، دون أن يمتلك موضوعياً النقد بالمفرّق، أي التركيز على عوارٍ دون الآخر!
لقد أدرك الناس، أن ما من إشاعة أو خبرية يخترعونها، إلا وثبت بطلانها واستحثت التندر. وفي حال أن يتحقق النصاب المنشود، في حياة الفلسطينيين، دستورياً وقضائياً، سيكون نصيب موزعي الإتهامات، الخزي والعقوبة، في ساحات العدالة.
لم يعد هناك شيء يعلل إنقسام فتح، سوى ذُعر القوقعة. لقد كان هذا الذُعر نفسه من بين الأسباب الرئيسة التي دفعت عباس الى إلغاء الإنتخابات العامة. ففي أسوأ كوابيسها، رأت القوقعة أن التيار سيؤكد على مشروعيته الدستورية من خلال الإحتكام الى رأي الشعب، وهذا معناه هزيمة بليغة لجماعة الإقصاء، وإعادة اعتبار لفتح بمجموعها، ومن بين المجموع منتسبو التيار والخارجون عن قائمة القوقعة.
هناك ـ للأسف ـ ما يعلل رفض التيار، معالجة وضع إنقسام الحركة، على قاعدة الوضع الراهن فيها. فجزء معتبر من كادر التيار، لا يرى أي جدوى من إعادة توحيد الحركة بالتوافق مع المجموعة الصغيرة التي أوصلت فتح الى الوضع المُزري الراهن. ولعل من محاسن خوف هؤلاء الذن يرفضون وحدة حركة فتح، أنهم ينكرون وجود انقسام، ويقولون إن الذين جرى فصلهم ذهبوا الى لا مكان، وباتوا وراء الشمس، وهذا من شأنه إقناع الجميع بأن حل معضلة فتح يبدأ بالقوقعة.
إن مهمة التيار الإصلاحي إنقاذية، وبالتالي هو يحتاج الى الجدارة في تأديتها. ولن يمتلك التيار هذه الجدارة، إن ظهرت في أدائه ممارسة واحدة من ممارسات جماعة السلطة، أو تُركت الأخطاء تتراكم. من هنا تنشأ أهمية الإنتخابات الداخلية في التيار، إذ يتوجب بدء حراك ديموقراطي حقيقي، يفرز ولا يُقصي. وعلى الجميع أن يتخير مواطيء أقدامه. فمن يرى العوار على الجانب الآخر، عليه التأكد من الرشاد في جانبه.
المهمة الإنقاذية، هي لفائدة جميع الوطنيين الفتحاويين، لكي لا يُهَمل الكادر، ولا يُمارس التنمر، ولا يجري التضييق على أصحاب الرأي في حركتهم ومعيشتهم، لصالح منهجية أمنية معلومة الوُجهة، ولا تُطوى صفحة القادة القدامى، فلا يسمع صوت واحدٍ منهم، وإنما تنتظر كل منهم صيغة نموذجية للنعي في حال الموت. ففي هذا السياق، تَطفرُ السخرية ممن تبقوا في المشهد ولا يجرؤون حتى على المجاهرة بطموحاتهم الى أية أدوار. ويتفشى الفساد دون أن يعلو صوت ينبه الى خطورة المآلات. فكل شيء تحت سيطرة القوقعة الى أن ينفجر الوضع العام بسببها!
الطريق طويل والرمل كثير، ولا علاقة للأدوار التي تقررها الإنتخابات، بما يسمى المجد التليد، وإنما علاقتها تنحصر في شرف العمل الوطني ومناقبيته، لا أكثر ولا أقل.

أخبار قد تهمك