الموقف الرسمي

بيانات صحفية

اقرأ أيضاً

كتب عدلي صادق: مقولة الدولة الواحدة

كتب عدلي صادق: تفتح مقولة الدولة الواحدة، كحل للنزاع على أرض بلادنا فلسطين، باباً خلفياً للكلام عن الطابع العنصري للأوساط الإسرائيلية الحاكمة وركيزتها في مجتمع المستوطنين. والقائلون بفكرة الدولة الواحدة، في غالبيتهم العظمى، كمن يذكرون إسرائيل بأن سياسات أوساطها الحاكمة، تمضي غير مكترثة ولا مترددة، في اتجاه دولة الفصل العنصري، الساقطة تاريخياً. أي إنهم، بالمعنى الموضوعي، يقولون لإسرائيل، إن لم يعجبك حل الدولتين، فإليك الأسوأ لك والأفضل لنا بشفاعة الديموغرافيا وقوانين الأمم المتحضرة، وطبائع الدول المستقرة.

كان النائب محمد دحلان، قد دعا في هذا السياق، الى حل الدولة الواحدة، منوهاً الى التفشي الاستيطاني السرطاني في الضفة، وتلك دعوة معطوفة على دعوات أخرى فلسطينية، قديمة وجديدة، بهذا المعنى. لكن البعض الذي لم يكن في عمر القديم عندما طُرح، والبعض الآخر الذي لا يتابع منطوق السياسة الفلسطينية راهناً، ويهمه تجديد السجالات، توقف عند دعوة محمد دحلان دون سواها، وسأل من يتابعون عن خلفية هذه الدعوة، وكأنها جديدة، أو كأنها محض مشروع لدمج بين فلسطين وإسرائيل، وهذا تفسير لا علاقة له بالفكرة عند تفكيكها.

كان الشهيد القائد صلاح خلف، وهو يقدم حركة فتح للعالم، قد حرص في العام 1968 على القول إن حركتنا تهدف الى نزع الصفة العنصرية عن الأراضي المحتلة عام 1948 من خلال إحراز دولة واحدة تنزاح فيها الشريحة السياسية التي تجعل الدولة قائمة على المتطلب الديني الواحد والمتطلب الإقصائية الذي يمثله الاحتلال.

وعند تحليل هذه الفكرة، يتساوى جميع السكان في الحقوق الدستورية، ويجري تمثيلهم في برلمان دولة واحدة. وبحكم الرجحان البشري، يحصل الأكثريون على وزنهم التمثيلي. ومعلوم أن البرلمانات بطبيعتها يتاج لها ليس تغيير قوانين الدولة العنصرية وحسب، وإنما تغيير اسم الدولة نفسه، وهذا بعينه هو الأمر الذي يمثل كابوساً للأوساط العنصرية المتطرفة التي تحكم إسرائيل.

معنى ذلك أن هذا السيناريو الخيالي، على الرغم وجاهته سياسياً وحضارياً، هو الذي تخشاه إسرائيل أكثر من خشية حل الدولتين. وهو الذي يذكرها بأن ما تخشاه أكثر، ما تزال تشتغل عليه بغرائزها، دون أن تقف أو تتريث لكي تراجع سياقها التاريخي. فماذا ستفعل لها المستوطنات في الضفة والتوسع فيها؟ إن الأهداف القريبة التي تريد تحقيقها من خلال التوسع الاستبطاني، تتلخص في تأبيد الاحتلال.

لكن الأوساط المتطرفة حتى الجنون، التي تحكم إسرائيل، لم تسأل نفسها السؤال الجوهري والأهم: ماذا عن أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون الذين يعيشون في الضفة ويتكاثرون، مع مليونين ونصف المليون في غزة ويعوضون نزيف الهجرة بأضعافه من المواليد، مع خُمس سكان إسرائيل من العرب الفلسطينيين الذين يقفون بشجاعة ويدافعون عن حقوقهم؟

اتفاقات ما يسمى بــ “السلام” لا تتيح لإسرائيل طرد السكان الى أقطار الجوار، ولا يتاح لها إبادتهم بالجملة، ثم إن القتل المتقطع هو جريمة مستدامة لها ردود أفعالها التي تجعل إسرائيل دولة القتل والحرب بامتياز، والمكروهة بامتياز. عندئذٍ، لن يكون أمام المتطرفين المعتوهين، سوى تكريس دولة الفصل العنصري، المشتبكة على مدار الساعات والأيام والسنين، مع الغالبية العظمى من سكان أرض فلسطين التاريخية، واهمة أنها ستفلح أو يمكن أن تحافظ على طبائعها الى الأبد!

حل الدولتين، على ما فيه من عناصر القلق المزعوم، لدى الأوساط السياسة الحاكمة؛ هو الأمثل بالنسبة لهذه الأوساط الممتنعة عن التفكير بمستقبل أجيالها. ولو إنها تمتلك ذرة من العقل، وتخصم قدراً من غطرستها وأوهامها في السلاح المتطور، لأدركت وجوب تفكيك مستوطناتها أو بيعها لأصحاب الأرض، والرحيل عن الضفة الفلسطينية، لكي تربح المستقبل. ذلك علماً بأنها لو فعلت ذلك، ستكون أيضاً غالبة ومنتصرة بالمعيار التاريخي، لأن قيام الدولة الفلسطينية على 18% من أراضي الشعب الفلسطيني هو أكثر بكثير مما كان يطمح اليه الآباء المؤسسون للحركة الصهيونية، وبعضهم تحدث عن استيطان أوغندا وسيناء أو اندماج اليهود في أوطانهم الأصلية. أما الوطنيون من الجانب الفلسطيني، فإن طموحهم بعد الدولة المستقلة، هو المضي في سياق تاريخي غير عنفي، وبقوانين الحياة وشروطها الاقتصادية والاجتماعية، لإحراز هدف الدولة الواحدة.

خوف العنصريين المفتعل والكاذب، من حل الدولتين، لا معنى له ولا فرصة لتسويقه، لأن حفنة الفلسطينيين التي تحكم صورياً في الضفة أعطت إسرائيل من العطاءات الأمنية ما لم تحلم به ـ حسب قول عباس بصراحة عبر شاشات التلفزة ـ وكان ذلك بغير اتفاقيات لإنهاء النزاع، وبغير دولة ولا استقلال، وحتى بغير كرامة.

 

 

أخبار قد تهمك