الموقف الرسمي

بيانات صحفية

اقرأ أيضاً

كيانٌ تستضيفه دولة احتلال

كتب عدلي صادق: بقطع النظر عن التطورات والأطراف التي ساعدت بيني غانتس، وزير جيش الاحتلال، على تنصيب نفسه مقرراً لسيرورات التاريخ ومصائر الشعوب؛ يصعب فهم وصفة الحل الذي طرحها أمس الضابط المظلي السابق، أمام مؤتمر ميونيخ السنوي للأمن، وهو محفل تشاروي غير حكومي، بلا بيان ختامي أو حتى توصيات، تأسس في سنة 1963 وتقوم عليه شركات تجارية، ويتلقى بعض المساعدات من بعض الحكومات، لتغطية انعقاده السنوي لتبادل الآراء.
ويبدو أن غانتس وجد أجواء المؤتمر مناسبة لبيع الكلام، فتحدث بلغة الوعود الممزوجة بالوعيد، متكئاً على حرف السين، الموصوف باعتباره حرف تنفيس واستقبال لا محل له من الإعراب، قائلاً: سيكون للفلسطينيين كيانٌ في المستقبل، وسنجد أنفسنا في حل ذي كيانين، وسنتحقق في الحل من بعضنا البعض، وسيتعين علينا أن نأخذ الحقائق على الأرض في الاعتبار، وجاء كل ذلك في متواليات من حرف السين، الموحي بأشياء شبه وشيكة، أضيق زمناً من صيغة التوسع: سوف!
الحديث عن كيان بلا دولة، يشبه وضع حجر الأساس لمشروع بلا خارطة ولا موازنة، وأقل شأناً من مشفى السرطان في رام الله. لذا بمقدورنا أن نتصور كياناً يريده الضابط المظلي، أن يحل ضيفاً على الدولة ولا يكون شبيهاً بها. في الوقت نفسه يقول في أحد استخدامات حرف سين للتنفيس والاستقبال: “سنجد أنفسنا في الحل ذي الكيانين، نحترم السيادة والحكم الفلسطيني، لكننا مع ذلك سنتمسك باحتياجاتنا الأمنية”. وهنا يمكن اللجوء الى مشعوذ هندي لكي يفسر لنا معنى الكيان الذي لن يكون دولة، وفي الوقت نفسه تكون له سيادة، يتعين على غانتس أن يحترمها. ولا نعرف من خلال السياق، ما إذا كانت هذه السيادة المزعومة، ستشتبك أم تتصالح مع احتياجاته الأمنية!
والأطرف من هذا كله، نقطتان، الأولى محاولة غانتس أن يتأدب وهو يعلن رفضاً شديد الفظاظة، للتسوية التي يريدها العالم كله:”إن الحديث عن حل الدولتين، يأخذنا إلى إطار سابق، وهذا عبارة عن نوع الأوهام بخصوص حدود 1967 وما إلى ذلك من الأشياء التي لا يمكن أن تحدث.” فالرجل هنا يصف المرجعية الدولية لعملية التسوية بأنها “إطار سابق” ولا يبلغنا شيئاً عن أسباب انتهاء صلاحية هذا الإطار، ولا يكلف نفسه مشقة تعريفه، ويحسم الأمر بالتلميح المقتضب بأن الانسحاب الى حدود 67 ليست إلا أوهاماً لن تحدث، بمعنى أن الاحتلال لن يتزحزح والكيان ليس دولة، وإنما له سيادة يحترمها الضابط المظلي المتمسك بالاحتلال.
أما النقطة الطريفة الثانية، فقد جاءت في ارتجال على لسان روحي فتوح، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني الجديد، الذي حث ما سماها “رباعية ميونيخ” على دعوة “الرباعية الدولية” لأن تفتح أفقاً لمسار سياسي “لبدء المفاوضات على أساس الشرعية الدولية”. وفي الحقيقة، ليس هناك شيء يسمى “رباعية ميونيخ” لكي تدعو أو تقرر. فمؤتمر ميونيخ التشاوري اللا حكومي، هو محض محفل مستقل، تُدعى له شخصيات من سبعين دولة وأكثر، فيتجاذبون أطراف الحديث أو يتبادلون الآراء وأوراق المقاربات، دون أن تكون لهم أية صفة رسمية أو أن تصدر عنهم قرارات.
كان بيني غانتس، يبيع كلاماً وهو يعرض بضاعة رديئة بخليط من الشيء ونقيضه، ويتقمص صورة الشيطان عندما يعظ وينصح بأن يأخذ الآخرون الوقائع على الأرض بعين الاعتبار. وكأن حكومة المستوطنين التي تطفلت على حياة الناس في الضفة وعلى الحقول وعلى تقاطعات الطرق ومتنفسات المخيمات والقرى؛ كانت مهذبة وحريصة على أخذ وقائع الديموغرافيا والجغرافيا والتاريخ والأمن والقانون الدولي، بعين الاعتبار!
هو يتحدث عن كيان بلا دولة، ونحن نتحدث عن فظاظة لن يرضخ لها الشعب الفلسطيني، وعن احتلال لن يستريح مهما أوغل في الجريمة أو طال الزمن.

أخبار قد تهمك