الموقف الرسمي

بيانات صحفية

اقرأ أيضاً

ما بعد عباس ولزوم الرافعة 

كتب عدلي صادق: يستحق جبريل الرجوب بعض الثناء على ثلاث إشارات ناقصة، لوحظت في حديثه الأخير مع قناة “الشرق”. وجه الاستحقاق، أن بعض القليل مما قاله الرجل، يفتح باباً لكلام مفيد، لمناسبة قرب انتهاء مرحلة عباس، مع إدراك أن النقص في أنصاف جمل الرجوب، مبرر بحكم التصاق الرجل ببنية النظام المُجوّف، مهما تضاءل دوره فيها.

أولى الإشارات الثلاث، تُذكر بشيء لا يغيب عن ذهن أحد، وهو أن فخامة الرئيس بلغ السابعة والثمانين، والمعنى الموضوعي لهذا التذكير هو أننا في مرحلة تقتضي البت سريعاً فيما سيكون عليه حال السلطة بعد غياب عباس. هنا لم ينس المتحدث التنويه لزوم المجاملة، الى أن عباس بصحة جيدة بدلالة حركته المنظورة، والى أن التسعيني سيظل حتى اللحظة الأخيرة، موفور الصحة. فالكثيرون يختطفهم موت الفجأة، لكن البت الآن وليس غداً، في ما بعده، بات أمراً مستعجلاً..

ثانية الإشارات، أن “تأجيل” الانتخابات كان خطاً ندفع ثمنه (علماً بأن ما جرى كان إلغاء وليس تأجيلاً، لأن الفارق بين التأجيل والإلغاء يتعلق بالمواعيد). فالتعبير الأصح هو أن إلغاء الانتخابات أدى الى حرماننا من فوائدها الكثيرة، ومن بينها التأسيس مبكراً لحال دستورية جديدة في النظام السياسي، تُغنينا عن تحسب الخطر وكوابيس الصراع الداخلي وانفلات الأمور. فلم يكن حال فتح والسلطة بعد الإعلان عن موعد الانتخابات أسوأ أو أفضل منه بعد الإلغاء. إنه ـ باختصار ـ الحال الذي أراده عباس عن سبق إصرار، بدافع ما يظنه درء الخطر عن النجلين وأصفيائه اللزم ومتعلقاته في اليوم التالي للرحيل. فلا أمل في النجاة، دون تجريف الكيان الفلسطيني من أية حيثية ذات بُعد قانوني ـ قضائي أو سياسي. والطريف أنه اختار حسين الشيخ للتغطية، بينما الرجل نفسه عارٍ ولا يغطي نفسه، وأغلب الظن لو صمد يوماً واحداً سينتقل الى موجة FM ويحلق لعباس على الزيرو. علماً بأن النظام بمؤسسات دستورية وقانون وخيار ديموقراطي أكثر أمناً له ولورثته.

الإشارة الثالثة تتعلق بالحاجة الى إعادة البناء بعد إنجاز اسطوري للرافعة. فقد تحدث الرجوب في هذه المسألة بمنطق البدء من الصفر لبناء الرافعة، على اعتبار أن الموجود ركام وهشيم. هو تحاشى الدقة ولم يقل أن ما نحن بصدده هو ركام فصائل وسلطات ونُخب سياسية مهترئة لا تصلح لبناء فرن من الطين. يُلمح الى الجماهير والطوطم، ويطلق نداء التلاقي لبناء الرافعة، مع وعود كريمة بالإسهام الأكبر مؤكداً على جاهزية فتح العملاقة التي زرعت بذرة الوطنية. ففي ثقافة الرجوب أو في ارتجالاته، لم تكن هناك وطنية فلسطينية قبل حركة فتح. وهذا عوار اجتماعي وسياسي وتاريخي. وبالطبع لا جواب في حديثه عن سبب فشل هذه الحركة العملاقة في الحفاظ على الحد الأدنى من الوئام الوطني، وعلى القليل من ترفق سلطتها بالناس، والقليل من زهد قادتها أمام المجتمع، أو الحديث حتى عن سبب فشلها في الحفاظ على الخطاب السياسي الثوري وعلى أخلاقيات قادتها المؤسسين، وبساطة حياتهم ومحبتهم لشعبهم، ومشاعرهم النبيلة العابرة للمصالح الشخصية والمناطق.

ختم الرجوب حديثة بعبارات غير مفهومة (لعلها من مخرجات لحظة شرود ذهني): ” الأخ أبو مازن، قائد استراتيجي، قال لنا إحنا حاطين حزمة من القرارات إلها علاقة بالإسرائيليين وربما الأمريكان وهي قرارات تكررت في المجلس المركزي، والرجل قال أنا ملزم بتطبيقها إن لم يكن هناك تحول في موقفكم وعودة إسرائيل الى مسار المفاوضات”.

يفهم من هذا الكلام أن لدى عباس شكوكاً في ثبات لجنتيه التنفيذية والمركزية، وهو وحده بشفاعة صحته الجيدة ملزم بتطبيق القرارات، حتى لو اختلفت مواقف حجارة الدومينو. والطريف أن الرجوب يتظاهر بالإعجاب بقدرات عباس على الفهم الاستراتيجي، علماً بأن المرء عندما يحاسب على أقوله وأفعاله، سيكون من بين أهم الأحكام أن ذهنية عباس لن تستوعب الف باء العمل الاستراتيجي لو عاشت ألف سنة، بل لن تستوعب الأبسط، وهو البُعد الاجتماعي للسياسة.

نقاط كثيرة في اللقاء سيفهمها فنان الكاريكاتير ولن يفهمها الكاتب السياسي، لا سيما عن الرافعة التي يجب بناؤها وعن ضرورات الحوار الذي يعطي “العملاقة” منصب العمود الفقري في البناء الجديد، وعن الاقتدار والحوار الوطني الاستراتيجي الشفاف، أي الحوار نفسه الذي طرحت فكرته منذ نصف القرن ولم يحدث، وعن حماس التي فشلت في الحكم ولم تتراجع عن انقلابها دونما تحديد لوجهة التراجع، أي لمن ترجع وماذا، وماذا لدى الطرف الآخر، وهو يقول لإسرائيل إنني أعطيك المعلومة التي لا تحلمين بها، بل ودون الجواب عن السؤال: هل شادت سلطة الحركة العملاقة صرحها الدستوري وكرست العدالة ونجحت في الحكم، وفتحت خطاً لتراجع حماس وغيرها، أم أنها تمادت في تدمير المؤسسات والمنظومة القانونية واللوائح الناظمة للعمل العام، وأغرقت شبكة السلك الديبلوماسي بعناصر من وراء القانون، أساءت للتمثيل الفلسطيني في العالم، وأوقعت القبضة الأمنية على الناس ومارست التغول؟

أخبار قد تهمك