الموقف الرسمي

بيانات صحفية

اقرأ أيضاً

ما قاله رون بن يشاي

كتب عدلي صادق: يتوجب في هذه الآونة، تتبع ما يقوله المحللون الإسرائيليون المخضرمون، بخصوص أوضاع السلطة الفلسطينية ومصيرها، والنظر اليه بعين نقدية، ومحاولة استنكاه ما وراء كل قول، لا سيما وأنهم يخلطون السم بالدسم، ويرسلون الإيحاءات ويرصدون ردود الأفعال.

على رأس المخضرمين، في تقديرنا، هو رون بن يشاي، فهذا الرجل ـ لمن لا يعرفه ـ كان ضابطاً مظلياً في لواء النخبة (غولاني) قبل أن يصبح رجل التغطيات الصحفية المذهلة للبؤر الساخنة على مر نحو ستين سنة، ولا مثيل لتجربته في الإقليم، وهو الآن على عتبة سن الثمانين.

بن يشاي، وهذه خلفيته، يشرح توقعاته لما سيجري بعد غياب عباس الذي يراه وشيكاً، ويعرض سيناريو، فيه الكثير من المسكوت عنه، وفيه بعض التلميحات. ويقول صراحة إن كبار المسؤولين في حكومة بينيت ـ غانتس، ومعهم مسؤولون أمنيون في إسرائيل، إلى جانب شخصيات بارزة في حركة فتح، يفكرون الآن في تشكيل مجموعة قيادية يتشارك أعضاؤها دون نزاع المناصب التي يشغلها عباس حالياً، بمعنى أن يكون من بين الحلول، استرضاء المتنافسين، بتوزيع مناصب عباس في منظمة التحرير والسلطة وحركة فتح.

ما يقوله بن يشاي، يعني أن عباس الذي اغلق الباب في وجه شركائه من الفصائل، وأمام القوى الفصائلية والحزبية الفلسطينية، وأدار ظهره للمجتمع الفلسطيني، اختار إشراك العدو في مداولاته حول مصير الكيان الفلسطيني، سواء السلطة أو منظمة التحرير أو حتى حركة فتح. وبدا أن الرجل يفعل ذلك مستريحاً، ولا يراه أمراً صعباً، طالما ظل عزام الأحمد ـ مثلاً ـ قادراً على أن يقف أمام وسائل الإعلام لكي يتلو بياناً بقرارات، يزعم أنها باسم منظمة التحرير، بينما لا وجود لها في الواقع!

يقول بن يشاي إن الهدف من تشكيل هذه المجموعة “هو العمل بتناغم وتنسيق يسمح بتقوية السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، ويعطي المجال لحركة فتح للتعافي، ولو لفترة انتقالية على الأقل”. وادعى صاحب الرواية أن عبّاس “يؤيد هذه الفكرة بشرط أن يكون أعضاء هذه الجماعة من مقربيه”.

وفي حال أن يكون ما قاله يشاي صحيحاً، سيكون المعنى أن عباس حتى في محاولات تدبير وسائل لمنع انهيار الوضع الفلسطيني بعده، يريد انتقاء أشخاص يأمن لهم، ظناً منه أن المقربين لن يفتحوا ملفاً له أو لأولاده، وهو مخطئ في ذلك جداً، لأن الذين يتركهم بلا مآثر، سيحاولون الحصول على شيء من العمل المُقدّر، على حسابه ومن خلال كشف بعض كوارثه. ثم إن الوفاء على حق، في الزمن الأسود، بات عملة نادرة، فما بالنا بالوفاء على باطل.

على أية حال، يقول بن يشاي إن تدابير عباس وخياراته بخصوص من يخلفه، ليست نهائية حتى الآن، مضيفاً ما معناه إن حسين الشيخ وماجد فرج، سيصبحان في موقف حرج، لأن إسرائيل في جميع الأحوال “لا تستطيع إظهار دعم علني للشخصيات التي تهتم بها وتريدها، لأن ذلك سيحولها إلى شخصيات منبوذة سياسيا في الشارع الفلسطيني”. وينصح بن يشاي في هذا الشأن أن يتم الدعم الإسرائيلي من وراء الكواليس، وتمريره بقصص “ليست كاذبة وليست حقيقية تماماً” حسب تعبيره!

وفي مقارباته بخصوص محاولة تخفيف المخاطر من الفوضى التي ستنشأ بعد غياب عباس، يعطي بن يشاي أهمية كبيرة لمسألة تحسين جودة الحياة. أما عباس فلم يحرص على شيء، قدر حرصه على تلغيم المشهد الفلسطيني لكي ينفجر بعده، وينشغل عنه وعن أولاده. وفي تقديرنا أن رهان عباس على التلغيم لن يحقق غايته، ولا رهان بن يشاي على تحسين جودة الحياة سيحقق أي غاية. فمثل هذه المقاربات لا تحسم الأمر لصالح استقرار الأمور لمصلحة إسرائيل، ولا تطمس قضية، ولا تجلب حلاً للصراع.

وفي سياق ما يراه بن يشاي، ينوّه الى أن حماس ستحاول السيطرة على الضفة، ويلمح الى أن هذه فرضية ستكون مزعجة، علماً بأن لديه ما يقول غير ذلك. فهو يعرف العناصر والإحداثيات والهوامش التي تحكم توجهات كل القوى، ويعرف أن لحماس من العلاقات الراسخة، ما يؤمن لها فتح خطوط في وجهات أخرى، عندما يحين أوانها، لا سيما وأن قدرة حماس على السيطرة حيثما تحكم، مشهودة ومجربة، بينما الاحتلال يعتبر إحراز السيطرة هدفاً قريباً.

ويتذاكى بن يشاي أو يتخابث، فلا يلمح الى شروط إسرائيل بخصوص من يلائمونها في الحكم الفلسطيني. فالمحتلون يتصرفون كمن يطاوعون عباس في خياراته خلال هذه الفترة، علماً بأن من يلائمهم ليس انموذج حسين الشيخ، وإنما أنموذج من يطيع وفي الوقت نفسه لديه عدد من مناقب الشخصية في محيطه الاجتماعي، وله قدر معتبر من الاحترام الحقيقي، وحبذا لو كان خيار المحتلين، من بين الذين يتمسحون بالدين، وبالتوجه العقائدي، كعباس إبراهيم، وهذا ما يفتقده حسين الشيخ تماماً، ويفتقد ما يوازيه من الثقافة الاجتماعية المدنية.

 

أخبار قد تهمك