الموقف الرسمي

بيانات صحفية

اقرأ أيضاً

ملحمة التشبث بالأرض في النقب

كتب: عدلي صادق:

شكلت أحداث النقب، على مر السنين، دراما خاصة في المشهد العام للصراع، بحكم السمات الاستثنائية لذلك الجزء الأصيل من شعبنا في البلاد. وهذه في الحقيقة تغريبة التصقت بالأرض ولم تبرحها. فالباقون في النقب، هم الناجون من جرائم القتل والاقتلاع، التي بدأت قبل شهرين من إعلان تأسيس إسرائيل، عندما مارست في مارس عمليات القتل والترويع لطرد السكان.

وكانت عصابة “البالماخ” قد دفعت بعض عناصرها، لأن تثقب عدداً من مواسير المياه التي تغذي المستوطنات الجديدة، لكي تتوافر للعصابة ذريعة البدء بالتطهير العرقي. وفي ذلك الوقت كان الكثير من الأسر الفلسطينية في النقب، قد بادر إلى المغادرة التي ظن أنها مؤقتة، فاتجه شرقاً وغرباً.

على صعيد القوة الصهيونية الخاضعة لأوامر بن غوريون، بدأت إسرائيل التي تم الإعلان عن تأسيسها، بعملية اقتلاع أخرى في أغسطس 1948. وقد بررت تلك العملية لتهجير القرويين والبدو، من منطقة غلاف غزة، بالدواعي الأمنية والعسكرية. وفي نهاية سبتمبر، شن ما يُسمى “لواء مفتاح” عملية تهجير أخرى بقوة السلاح، انتهت بنقل بعض الفلسطينيين البدو، من جنوب وغرب بئر السبع، إلى شرقها. وفي العام 1949 نفذ المحتلون عملية طرد لخمسمائة عائلة إلى الأردن. وفي سبتمبر 1950 أشهروا السلاح مرة أخرى، في وجه أربعة آلاف فلسطيني من البدو، وطردوهم إلى سيناء!

من تبقوا من الشعب الفلسطيني في النقب، أصبحوا موضوعاً لحديث الصهيونية التي كانت تدعي العلمانية آنذاك، وتزعم أنها تتقبل التنوع، وهي حتى اليوم ليست دولة منذورة لكل مواطنيها. قال أحد القادة العسكريين، ويُدعى ناحوم ساريغ، أنه أمر ضباطه، بأن مهمتهم هي الظهور أمام “عرب النقب، باعتبار أن إسرائيل دولة نظامية حاكمة، تعمل بقوة، وفي الوقت نفسه بإنصاف وعدالة”، ولم يكن ما قاله جديداً على الأكاذيب الصهيونية!

يمكن أن يؤخذ كلام ذلك القائد العسكري، مثالاً على الخديعة وأساليب إخفاء النوايا، لا سيما عندما أردف قائلاً “أما رعاة الأغنام، الذين يرعون في الأراضي اليهودية؛ فيجب أن يُطردوا بإطلاق النار عليهم”!

وفي سنة 1951، أفادت الأمم المتحدة بأن إسرائيل طردت سبعة آلاف بدوي من النقب إلى الأردن وإلى قطاع غزة وسيناء، لكن بعضهم عاد خلسة إلى موطنه وعشيرته!

كان ذلك ختام الفصل الأول، من دراما الصراع في النقب. لكن الفلسطينيين البدو، أصبحوا منذ تلك الساعة، قلة ضئيلة، تناقص عددها من الـ 110 آلاف حسب الإحصاء التقديري البريطاني الأخير، إلى أحد عشر ألفاً معدودين إسرائيلياً بالنفر!

كانت دواعي هؤلاء الأخيرين، للتثبث بالأرض والدفاع عن وجودهم، قد اضطرت بعض الشباب إلى الالتحاق بالجيش، إن كان بسبب حاجتهم إلى حماية أسرهم، أو بسبب حرمانهم من الوظائف المدنية، ونسبة هؤلاء وصلت إلى 5% من الشباب. ولما تشكلت تلك الظاهرة، مرت سنوات على تغذيتها، من خلال ضباط ارتقوا على سلم المراتب أو من خلال قصاصي أثر.

وعلى الجانب الآخر، في المسافة الزمنية الممتدة من العام 1950 إلى اليوم، أسهمت التطورات في ترقية وعي الشباب في النقب، فتناقص عدد الذين توسلوا النجاة من خلال التطوع في الجيش، من نحو 1600 في أعلى مرحلة، حسب مجلة “إيكونومست” البريطانية (وكان ثُلثاهم من الشمال) إلى 90 عسكرياً بدوياً في الوحدات القتالية اليوم.

ولعل من مفارقات هذه الحيل الصهيونية، أن موشيه دايان، عندما كان رئيساً لأركان حرب الجيش الإسرائيلي، صرح في سنة 1963 بأن النية تتجه إلى جعل البدو بروليتاريا حضرية، في الصناعة والخدمات والبناء والزراعة، وإنهاء ظاهرتهم. فقد غاب عن ثقافته الضحلة، أن البدوي يظل بدوياً حتى لو عاش في نيويورك واشتغل في علم الفضاء، لأن السمة إنثروبولوجية، اجتماعية وثقافية، وذات تراث أدبي وإنساني غني،أولاً وأخيراً.

ولتوظيف نغمة إزدراء الإنسان العربي، قال دايان “يمكن في أحسن الحالات، أن يحصل البدوي على قطعة أرض صغيرة، يعيش فيها مع ماشيته، ويصبح شخصاً حضرياً، يعود إلى المنزل في فترة ما بعد الظهر، ويرتدي نعاله، فيعتاد أطفاله على أب يرتدي سروالًا بدون خنجر”!

وكان قد صدر في العام 1950 ما يسمى بـ “قانون الماعز” لتقييد الرعي، بذريعة عدم تآكل الأرض. ثم سُمعت اقتراحات نقل سكان النقب الى وسط البلاد، لشطب المطالبة بـ 600 ألف دونم من الملكيات البدوية.
ازحمت السنين، بقوانين الخنق والحرمان، حتى أصبح هناك 35 قرية غير مُعترف بها، . فليس في هذه الدنيا، دولة لا تعترف لقرى يعيش فيها ألوف البشر، علماً أن هذه القرى، نشأت بمفاعيل الإقصاء والملاحقة، وعلماً كذلك بأن هذه الدولة، تضع اليافطات الضخمة لمستوطنات يهودية لا يعيش فيها أكثر من ثلاثمئة فرد.

في هذا السياق العنصري، الذي يصعب تفصيله في هذه المساحة، ومع صعود الصهيونية الدينية المتطرفة؛ صدر في سنة 2011 ما يسمى “قانون براور” تحت عنوان خطة خمسية للتنمية الإقتصادية. وكان من تبعات هذا القانون، ما تشهده ساحة النقب اليوم، وفحواه العمل بكل إصرار وفظاظة، على إعادة توطين 40 ألف من بدو النقب، ونقلهم من مناطق غير معترف بها من قبل الحكومة إلى بلدات معتمدة.

كانت إسرائيل منذ العام 1971 قد أعلنت عن بناء سبع بلدات مخصصة للبدو، مع نزع الإعتراف عن الذين يعيشون خارجها، والإصرار على حرمانهم من الخِدْمات. وتأسست أولى هذه البلدات، وهي “رهط” في سنة 1972 شمال بئر السبع. ولما اكتمل عدد البلدات، لم ينتقل إليها سوى أقل من نصف البدو، وهذا ما جعل إسرائيل تمضي في عملية شطب الظاهرة البدوية الفلسطينية في النقب، بالانقضاض على حياة الآمنين المطالبين بحقوقهم!

أخبار قد تهمك