منع التذكر وطمس الذاكرة

لا يُسمع صوتٌ للذين ما زالوا أحياء، من القيادات الوازنة التي تصدرت العمل في منظمة التحرير الفلسطينية، وقضى الذين توفاهم الله دون أن يُتاح لهم البوح، لكي يرووا بحرية، الكثير من الوقائع التي مرت عليهم، أو سمعوها من أقرانهم، وآخر هؤلاء أبو الأديب الزعنون، رحمة الله عليه.

أبو اللطف القدومي، وأبو علاء قريع ـ على سبيل المثال ـ مرَّ عليهم الكثير، وكانت لهم أدوارهم. اليوم لا يُسمع على لسانهم شيء عن الحال المزرية التي بتنا عليها، وربما يكونا غير ملوميْن، لأننا في الزمن الذي يتفرد فيه شخص وغد، يمكن أن يتعسف مع شيخوختهم، ويقطع مخصصاتهم لكي تنضم أسماؤهم الى قائمة المقطوعة رواتبهم.

أبو علاء سنحت له الفرصة قبل أن يتغول عبس، فسجل تجربته عن مفاوضات أوسلو، ومباحثات “كامب ديفيد” وصولاً إلى ما سُميَّ “خارطة الطريق” والرجل الآن في سن السابعة والثمانين، وما كتبه كان محدود التوزيع، والكتب الآن غير قابلة للتحميل على منصات الكتب المصورة.

في أعراف الدول، ونحن ممن يتلذذون بوصف أوضاعنا بأنها في حال الدولة؛ يحرص الحاكمون على تأسيس منصات تُروى من فوقها التجارب، لكي تستفيد الأجيال وتتفقه في السياسة وتستوعب الدروس، لكن الديكتاتوريات تتقصد مخازن الذكرى، وتُرهب من لديهم الروايات، بحيث يكون التجويع جزاء البوح.

هل يعرف الجيل الجديد، أن مؤتمر “كامب ديفيد” سنة 2000 فرض فرضاً من قبل الأمريكين، وتحت طائلة العقاب، وأن الزعيم ياسر عرفات كان يرفضه ويراه فاشلاً قبل أن يبدأ، ونصح الأمريكيين بالتأني، لكنهم تعمدوا إحضارنا الى المنتجع الذي كان أشبه بالسجن في ولاية ميريلاند الأمريكية.

المسؤولون الأمريكيون بعد أن يغادروا مواقعهم ينشرون ما مر عليهم ويعترفون بسفالاتهم بكل أريحية، أما الذين تقع عليهم السفالة، فيبتليهم الله بحاكمين، من شاكلة عبس، الذي لا تتسع حوصلته لأي كلمة عن الحقائق. فأبو علاء قريع ـ مثلاً، طالما أننا نتذكره الآن ـ تعرض لتوبيخ العرص بيل كلينتون، الذي شن هجوماً على الأخ أبو علاء، على طريقة الكلام لك يا جارة، لكي يفهم الوفد الفلسطيني كله أنه تحت المطرقة الأمريكية التي لا ولم ولن يُرجى منها شيء من العدالة. كان كلينتون يصرخ مع احمرار وجهه، ومن بين ما قاله لأبي علاء:” هل تظن نفسك في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإذا أردت أن تعطى محاضرة، اذهب إلى هناك ولا تضيع وقتى. أنت هنا في كامب ديفيد”. والمفارقة أن وزيرة خارجيته، اعترفت في مذكراتها أن ما فعله كلينتون مع أبي علاء كان مسرحية لصالح الصهيونية، إذ كتبت بالحرف:” “بعد أن قال الرئيس ما فى نفسه، أشار لي وخرجنا، وفى الوقت نفسه بدأ المطر ينهمر. كان أمامنا إما أن نبتل أو نخسر تمثيلية خروجنا، لذا خرجنا وتبللنا”.

ما الذي يمنع أن يقدم أبو علاء روايته في كل سنة لطلبة وطالبات الفصول الدراسية في مادة العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ويشرح لماذا استهدفه كلينتون وما هو الذي كان معروضاً علينا (وهو بالمناسبة مطابق لما هو عليه الحال اليوم، ويجعل عباس يموء كالقط المضروب على قفاه) وكيف قاد الزعيم ياسر عرفات تجربة الصمود وظلت تثور ثائرته واضطر بعد ذلك الى خوض معركته الأخيرة؟

لدى أبو اللطف القدومي ما يقوله أيضاً لطلابنا وطالباتنا، ولو عبر تقنية الأون لاين. فمن بين فوائد البوح، ما يعلل وجود المقاومين في جنين ونابلس وقباطية ومحافظتي الخليل ورام الله، الذين يراهم كاتم الصوت مثيري فوضى.